صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
60
الإلهيات من الشفاء ( حواشي صدر المتألهين )
وجوده فالقابل للانفصال هو الجسم لا المادة وحدها والجسم جزؤه الاتصال الجوهري على ما زعمتم فإذا بقي الجسم مع الانفصال بقي الاتصال الجوهري الذي هو جزؤه أيضا مع الانفصال فصح أن الاتصال الجوهري يبقى مع الانفصال على ما وصفتم بل هو مصحح له فيقول القائل إن الاتصال الجوهري قابل للاتصال العرضي والانفصال ولا حاجة إلى حامل فبطلت حجتكم فلا محيص لكم عنه لما جعلتموه جزءا لقابلهما باقيا معهما لأنا نقول كثيرا ما يكون الشيء علة لما لا يجامع معه ولا يلزم أن يكون كل ما اشترط وجوده بوجود شيء آخر أن يبقى معه فإن النطفة لو لم يكن لم يوجد الحيوان فإذا تكون الحيوان بطلت النطفة فكذلك لو لم يوجد الاتصال الجوهري لم يحدث انفصال وإذا حدث الانفصال بطل الاتصال ولفظ القبول مشترك بين معنيين أحدهما ما لا يجامع به القابل مع المقبول كما يقال النطفة قابلة للحيوان والآخر أن يجامع معه ويستكمل به كما يقال الإنسان قابل للعلم وكذا تكون الشيء من شيء أمر مشترك بين معنيين كما سيجيء في المقالة الثامنة أحدها أن المكون يبطل عند تكون ذلك الشيء والآخر أن يكون باقيا على وجود ذاته فالجسم بجزأيه قابل للاتصال والانفصال بالمعنى الأول غير قابل بالمعنى الآخر بل القابل لهما هو جزؤه بالمعنى الأول ولا يحدث عنه بل عن جزئه بالمعنى الثاني وتتمة الأبحاث المتعلقة بهذا المقام ودفع الشكوك الباقية والأوهام تطلب من الأسفار الأربعة [ في برهان القوة والفعل ] قوله وأيضا فإن الجسم من حيث هو جسم له صورة الجسمية فهو شيء بالفعل ومن حيث هو مستعد أي استعداد شئت فهو أمر بالقوة إلى آخره وهذا منهج آخر للفلاسفة لإثبات تركب الجسم بما هو جسم ونحو وجود الهيولى الذي يخصها وهو قريب من البرهان الأول لكنه أعم مأخذا وأحكم بنيانا وأشد وضوحا منه وهو أن الجسم من حيث هو جسم وحيث له وجود اتصالي وصورة امتدادية أمر بالفعل ومن حيث إنه مستعد لقبول شيء ما أي شيء كان من الفصل والوصل وغيرهما من الأشياء المفقودة عنه التي من شأنه أن يقبلها فهو أمر بالقوة فيكون في كل جسم بحسب مرتبة كونه جسما ومن حيث مجرد جسميته جهتان وهما الفعل والقوة والوجوب والإمكان الخارجيين ولا شك أن هاتين الجهتين مختلفتان في الواقع موجبتان للتركيب موقعتان للتكثر الخارجي فإن الشيء من حيث هو بالقوة شيء آخر لأن مرجع القوة إلى أمر عدمي هو فقدان شيء عن شيء مع جواز تلبسه به ومرجع الفعلية إلى حصول حقيقة شيء ووجوده والحاصل أن مرجعها إلى الوجود والعدم ولا يكون الشيء الواحد من جهة وجود واحد مصححا لهاتين الصفتين فلا يكون الجسم من حيث هو متصل بالفعل بعينه نفسه من حيث هو بالقوة منفصل ومتحرك أو أسود أو غير ذلك بل كونه جوهرا متصلا غير كونه قابلا للأشياء فجوهريته الاتصالية بشيء واستعداده للأشياء بشيء آخر ففيه الجوهر المتصل وفيه قوة هذا المتصل لأن فيه قوة الانفصال لأن القوة على الشيء قوة على مقابله وكذا إمكان الشيء يستلزم إمكان مقابله إذ لو كان أحدهما ضروريا كان مقابله ممتنعا لا ممكنا وقد فرضناه ممكنا هذا خلف فعلم أن الجسم كما أنه متصل قبل القسمة ففيه ما يقبل المتصل أيضا إذ لو كان عين المتصل أو لازما له الاتصال حتى يكون النسبة ضرورية لم يكن في ذاته قوة الانفصال وهو باطل بالبديهة فإذن يكون الجسم جوهرا مركبا من شيء بحسبه يكون له القوة ومن شيء غيره بحسبه يكون له الفعل فالثاني صورة ومبدأ فصله البسيط وهو المتصل والأول مادته ومبدأ جنسه البسيط وهو الجوهر فهذه المادة يسمى الهيولى الأولى ولا بد أن يكون محض القوة والفقر إلى كل شيء كما سيتضح لك وتلخيص البيان على نظم القياس البرهاني هو أن الجسم بالفعل من جهة ذاته وكل ما هو بالفعل من جهة ذاته لا يكون بالقوة فالجسم لا يكون بالقوة ونجعل هذه النتيجة كبرى لقياس آخر من الشكل الثاني وهو أن القابل للشيء أمر بالقوة ولا شيء من الجسم الموجود بالقوة ينتج أن لا شيء من الجسم الموجود بقابل لشيء ولزيادة التوضيح نقول لا شك أن في الجسم قوة على أن يوجد أمور كثيرة فتلك القوة إما أن يكون نفس حقيقة الجوهر المتصل أولا فالأول باطل وإلا لزم أن يكون إذا فهمنا الاتصال الجوهري فهمنا أنه استعداد لأمور كثيرة ولم يمكننا تعقل هذا الاتصال دون تعقل هذه الأشياء وليس كذلك والثاني لا يخلو أما أن يكون أمرا قائما بذاته أو لا والأول باطل لأن القوة لو كانت قائمة بذاتها لكان الإمكان جوهرا لأن القوة قسم من الإمكان وليس كذلك لأنه عرض بل من أضعف الأعراض والثاني لا يخلو إما أن يكون حامله الاتصال الجوهري أو شيء آخر والأول باطل وإلا لم يصح أن يبطل عند خروجه فيما يقوى عليه فوجب أن يبقى مع الانفصال وذلك لأن ذات القابل يجب وجوده مع المقبول فهي قائمة بشيء غير الاتصال يقارن الاتصال والانفصال وغيرهما من هيئات وصور غير متناهية وهو الهيولى وهاهنا أبحاث الأول أن قولكم إن الجسم أو الاتصال من حيث هو جسم ليس قوة على أمر فممنوع ولكن لا يلزم أن لا يكون موصوفا بالقوة والقوة موجودة فيه وليس إذا كانت القوة قائمة بشيء يلزم أن يكون هي هو فإن قلتم لو كانت قوة الانفصال موجودة في الاتصال لكان الاتصال باقيا مع الانفصال قلنا كان هذا